كأس أمم إفريقيا 2025: نجاحات، زوايا عمياء، وأولوية الاستخبارات لكأس العالم 2030 في المغرب

رغم النجاح الكبير لتنظيم كأس الأمم الإفريقية 2025 في المغرب، كشفت بعض الأحداث عن نقاط عمياء في مجالات الأمن والاستخبارات، خصوصًا في الفضاءين الرقمي والسردي. فما الدروس التي ينبغي استخلاصها استعدادًا لمونديال 2030؟

كأس أمم إفريقيا 2025: نجاحات، زوايا عمياء، وأولوية الاستخبارات لكأس العالم 2030 في المغرب
صورة استشرافية لملعب الحسن الثاني

رسخت أجهزة الاستخبارات المغربية — المديرية العامة للدراسات والمستندات في الخارج (DGED) والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في الداخل (DST) — مكانتها خلال السنوات الماضية بفضل أداء ثابت في بيئة إقليمية تُعد من بين الأكثر تعقيدًا وحساسية في العالم. فقد تمكنت هذه الأجهزة من إحباط مخططات إرهابية، وتفكيك شبكات معادية، والحفاظ على قدر معتبر من الاستقرار في مواجهة ضغوط متعددة المصادر.

وتشمل هذه الضغوط القراءة الأيديولوجية التي تتبناها الجزائر تجاه المغرب منذ الاستقلال، والدعم الذي تقدمه لجبهة البوليساريو في إطار صراع إقليمي طويل الأمد، فضلًا عن تداعيات عدم الاستقرار في منطقة الساحل التي تمتد آثارها تدريجيًا نحو الشمال. كما يضاف إلى ذلك التنافس الجيوسياسي الأكثر هدوءًا، لكنه لا يقل أهمية، الذي تمارسه قوى أوروبية فاعلة مثل فرنسا وإسبانيا.

في المقابل، نجح المغرب في بناء شبكة تعاون استخباراتي متينة مع شركاء دوليين رئيسيين، في مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأوروبية. وقد تطورت هذه الشراكات من مجرد تبادل للمعلومات إلى تعاون عملياتي فعلي وفر للمغرب مزايا ملموسة في مجالات الأمن ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. وهي إنجازات عملية لا تتمتع بها كثير من الدول في البيئة الإقليمية نفسها.

وقد شكلت بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025 اختبارًا مهمًا لهذه القدرات التنظيمية والأمنية. فقد حققت البطولة نتائج قياسية على عدة مستويات: إذ تجاوز عدد الحضور في الملاعب 1.25 مليون متفرج عبر تسعة ملاعب، كما ارتفعت العائدات التجارية بأكثر من 90٪ مقارنة بنسخة 2023 في ساحل العاج.

أما على المستوى الرقمي، فقد سجلت البطولة ما يقارب ستة مليارات تفاعل رقمي، من بينها 5.2 مليار مشاهدة للفيديو، وفق البيانات الرسمية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم الصادرة في يناير 2026. كما تجاوزت العائدات الاقتصادية المباشرة للبطولة 1.5 مليار يورو.

وقد أسهمت هذه النتائج في توفير دعم غير مباشر، لكنه مهم، للتحضيرات الجارية لتنظيم كأس العالم 2030، من خلال تسريع مشاريع البنية التحتية المرتبطة بالملاعب وشبكات النقل. ولهذا وصف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم هذه النسخة بأنها «أنجح تجربة تجارية في تاريخ كرة القدم الإفريقية»، بينما اعتبر مسؤولو الاتحاد الدولي لكرة القدم أنها تقدم نموذجًا عمليًا لما يمكن أن يكون عليه تنظيم مونديال 2030.

وتعكس هذه النتائج مستوى مرتفعًا من الكفاءة في مجالات الأمن الميداني، وإدارة الحشود، والجاهزية اللوجستية، حتى في ظل ظروف مناخية صعبة خلال موسم الأمطار الذي شكل اختبارًا حقيقيًا للبنية التحتية للملاعب.

ومع ذلك، كشفت المباراة النهائية التي جمعت المغرب والسنغال عن بعض الثغرات التي تستحق التوقف عندها. فقد شهدت المباراة سلسلة من الأحداث التي أدت إلى حالة من التوتر والفوضى: ركلة جزاء متأخرة مثيرة للجدل، واحتجاج لاعبي السنغال عبر مغادرة الملعب لمدة تراوحت بين خمس عشرة وعشرين دقيقة، إضافة إلى إلقاء مقذوفات من المدرجات أدت إلى إلحاق أضرار بمقاعد وحواجز الملعب، فضلًا عن وقوع اشتباكات مع قوات الأمن.

وبعد نهاية المباراة اندلعت أعمال شغب أدت إلى توقيف عدد من المشجعين، وصدر لاحقًا حكم بالسجن تتراوح مدته بين ثلاثة واثني عشر شهرًا بحق تسعة عشر مشجعًا، غالبيتهم من السنغاليين، بتهم تتعلق بالشغب وإثارة الفوضى.

غير أن قراءة تسلسل الأحداث توحي بأن ما جرى لم يكن عفويًا بالكامل. فقد سبقت المباراة سردية إعلامية جرى الترويج لها في بعض الأوساط السنغالية، هيأت الجماهير ووسائل الإعلام لتوقع تحيز محتمل في تحكيم المباراة، مع تكرار القول إن «المباراة تميل لصالح المغرب». وعندما أُعلن عن طاقم التحكيم، وُجّه اللوم إلى المغرب بشكل غير دقيق، رغم أن تعيين الحكام من صلاحيات الاتحاد الإفريقي لكرة القدم وحده.

كما لوحظ أن بعض أعضاء الوفد استخدموا هواتفهم بشكل علني للتنسيق والتواصل مع مجموعات من المشجعين، فيما جرى توجيه عدد من الجماهير نحو تجمعات في الشوارع لم تحصل على أي ترخيص مسبق أو تنسيق مع السلطات الأمنية المغربية. ويشير تسلسل هذه الوقائع — من زرع رواية مسبقة، إلى اضطراب داخل الملعب، ثم تصعيد جماهيري أعقبه تضخيم إعلامي — إلى نمط قريب من العمليات النفسية المتعددة المراحل.

وتشير بعض المؤشرات إلى احتمال وجود تنسيق خارجي يقف خلف هذه الدينامية، ربما بما يتقاطع مع مصالح جزائرية، وربما أيضًا بالاستفادة من شبكات قريبة من دوائر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في مصر بهدف تضخيم الجدل المرتبط بالتحكيم واتهامات التحيز.

المشكلة الأساسية لم تكن في نقص الوسائل أو القدرات، بل في عدم استغلال بعض مصادر المعلومات المتاحة بالشكل الكافي. فقد ظل التركيز منصبًا أساسًا على تأمين الملاعب ميدانيًا، في حين لم تحظَ الجوانب الرقمية والسردية بالموارد الكافية. ومن المرجح أن معلومات قابلة للاستثمار أمنيًا كانت قد ظهرت بالفعل، لكنها لم تُدمج في التقييم العام ولم تُرفع بالسرعة الكافية لاتخاذ القرار. وربما أسهمت الثقة التي أعقبت الفوز بتنظيم البطولة في قدر من الاطمئنان الزائد. وكانت النتيجة أن حدثًا ناجحًا في مجمله ترك عناوين إعلامية قابلة للاستغلال، سرعان ما بادر الخصوم إلى توظيفها.

وقديكون ساهم الجدل الذي أثارته قضايا مثل بيغاسوس في خلق قدر من التردد لدى بعض جهات القرار المغربية في استخدام وسائل جمع المعلومات الروتينية خشية ردود الفعل الإعلامية. غير أن الاستعداد لتنظيم مونديال 2030 يقتضي استخدام أدوات الرصد القانونية ومصادر المعلومات المفتوحة وقنوات التعاون الاستخباراتي بشكل مدروس ومنهجي، مع توثيق كامل يسمح بالتصدي لأي حملات تشكيك أو تضليل.

ويمثل كأس العالم 2030، الذي سينظمه المغرب بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، الهدف الاستراتيجي الأبرز في السنوات المقبلة. ولا يزال قرار اختيار ملعب المباراة النهائية بيد الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومن المتوقع اتخاذه في موعد أقصاه منتصف عام 2028. ويعمل المغرب بقوة من أجل احتضان النهائي في الدار البيضاء داخل الملعب الكبير الحسن الثاني الذي تبلغ سعته نحو 115 ألف متفرج والمقرر الانتهاء من بنائه بحلول عام 2028.

غير أن مشاركة إسبانيا في التنظيم لا ينبغي أن تولد شعورًا بالاطمئنان المفرط. فبالرغم من متانة التعاون الأمني بين البلدين، تستطيع الحكومات في الأنظمة الديمقراطية في كثير من الأحيان الحفاظ على قدر من الإنكار السياسي المعقول. فقد تظهر الدولة بمظهر الطرف المحايد، بينما تتحرك أطراف أخرى — قريبة من مؤسساتها أو مستقلة عنها — لتنفيذ عمليات ضغط أو إرباك تستهدف مصالح دولة أخرى.

وقد واجه المغرب بالفعل نمطًا مشابهًا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث ظهرت في عدة مناسبات مبادرات يقودها نواب من دول تبدو محايدة أو غير متوقعة، للدفع نحو جلسات استماع أو قرارات تنتقد المغرب في ملفات مثل حقوق الإنسان أو الهجرة أو قضية الصحراء. وغالبًا ما تتزامن هذه التحركات مع لحظات يسعى فيها المغرب إلى تعزيز استقلالية قراره في ملفات الأطلسي أو في دبلوماسية الصحراء.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي قد تبدو عفوية في ظاهرها، لكنها قد تتحول إلى أحداث ذات أثر كبير إذا جرى استغلالها في التوقيت المناسب، مثل إثارة قضايا تتعلق باعتقال صحفيين أو ناشطين، أو إطلاق حملات رقمية حول معاملة الحيوانات الضالة، أو تضخيم بعض الظواهر الاجتماعية السلبية مع تجاهل الإنجازات الاقتصادية والتنموية.

كما يمكن أن تشمل هذه السيناريوهات افتعال موجات هجرة مفاجئة، أو وقوع حوادث مدروسة في مناطق سياحية، أو محاولات تخريب لسلاسل الإمداد الغذائية أو المائية، أو إثارة جدل دولي حول قضايا اجتماعية مرتبطة بالزوار الأجانب.

ولا تقتصر التحديات على هذه السيناريوهات فحسب. فهناك أيضًا تهديدات حضرية ناشئة، مثل الانتشار المتزايد لمجموعات الدراجات النارية والدراجات الكهربائية (سكوتر) في عدد من المدن المغربية. ورغم أن هذه الظاهرة لا تمثل حتى الآن عصابات إجرامية منظمة، فإن سلوكها في الطرقات يثير قلقًا متزايدًا لدى السكان. وقد يتحول حادث واحد في منطقة سياحية إلى قضية إعلامية كبيرة، خاصة في سياق حدث عالمي مثل كأس العالم.

ولهذا فإن الاستعداد لمونديال 2030 ينبغي أن يبدأ مبكرًا وبشكل منهجي، من خلال تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتطوير قدرات الرصد الرقمي، وإنشاء خلايا أزمة قادرة على الاستجابة السريعة للأحداث الإعلامية والأمنية، إضافة إلى تحسين إجراءات التعامل مع الحالات الحساسة مثل الاعتقال والاحتجاز.

كما يتطلب الأمر توسيع التعاون مع الشركاء الدوليين وتبادل المعلومات بشكل استباقي، بما يسمح بتقليص مساحة المفاجأة في التعامل مع التهديدات المحتملة.

وفي ميدان الأمن والاستراتيجية، لا تكفي القوة الفعلية وحدها؛ بل لا بد أن تقترن بصورة قوة واضحة في الإدراك العام. فعندما تتسع الفجوة بين الواقع والانطباع، تتحول الثغرات — مهما بدت صغيرة — إلى فرص يستغلها الخصوم.

نرحب بأي مراسلات مهنية تتعلق بالأفكار المطروحة في هذا المقال.
للتواصل: umbrax@securitynak.com


Read more

Contact: umbrax@securitynak.com